وأن أتلو القرآن

وأن أتلو القرآن

كثر في وقتنا الحالي الدعوة إلى تدبر القرآن الكريم ، حتى أنشئت مراكز لذلك ، وبدأ كثيرون حتى ممن ليس له في اللغة ولا في علوم القرآن نصيب الولوج في ذلك .
وإني إذ أحث على أن لا يكون القرآن مجرد ألفاظ ومباني ، بل لا بد أن يكون سلوكا يترجم المعاني . فإني توقفت عند هذه الدعوات متأملا ، ونظرت في تفسير الآيات ، ثم عزمت على سطر ما فتح الله مبينا ، ومبديا رأيا ، وكم اتهمت أني أسبح عكس التيار ، وأني أبحث عن المخالفة ، والله العليم أني لا أريد ذلك ، ولكني امرؤ فتح القرآن عقله ، ودعاه للتفكر ، والتدبر ، وهو يخاطبه كما يخاطب غيره ، فليس فهمه محتكرا على أحد دون أحد ، ولا على جيل دون جيل .
وإن كان بعضهم يسعد إذا لقي كلاما من إمام لم يجرؤ فيه على أن يقول في القرآن بما رآه حسن المعنى ، وله وجه صحيح ، لعدم نقله عن السلف ، كما قال ابن جرير رحمه الله عند تفسيره لقول الله جل وعلا { ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها }. الآية . فإنه كعادته ذكر الأقوال ، ثم اختار منها ، ثم قال ما نصه : ولوا أن أقوال أهل التأويل مضت بما ذكرت عنهم من التأويل ، وأنّا لا نستجيز خلافهم فيما جاء عنهم ، لكان وجها يحتمله التأويل أن يقال : ولا تَجهر بصلاتك التي أمرناك بالمخافتة بها ، وهي صلاة النهار ؛ لأنها عجماء ، لا يُجهر بها ، ولا تُخافت بصلاتك التي أمرناك بالجهر بها ، وهي صلاة الليل ، فإنها يُجهر بها { وابتغ بين ذلك سبيلا } بأن تجهر بالتي أمرناك بالجهر بها ، وتخافت بالتي أمرناك بالمخافتة بها ، لا تجهر بها جميعا ، ولا تخافت بها كلها ، فكان ذلك وجها غير بعيد من الصحة ، ولكنا لا نرى ذلك صحيحا ؛ لإجماع الحجة من أهل التأويل على خلافه . اهـ .
فإن قوله ذلك ، رحمه الله ، ليس معناه أن نقف في الفهم فلا نفهم غير ما قالوا ، وإلا لبقيت كثير من المفاهيم غائبة عنا ، ولم يكن القرآن إلا حاملا لمعنى واحد ، فكيف يتجدد مع الزمن ، وكيف لا تمله العلماء ، وكيف يصوغ أهل القرون ما يناسبهم من آياته ، وكيف تتجدد معانيه . وهو نفسه قد اختار من تلك التأويلات ما رآه أقرب إلى الصحة ، فليس قولهم بنص لا يجوز الخروج عنه ، بل يجب خلافه متى ثبت خطؤه !
وإنما قلت ما قلت آنفا استطرادا ، وإلا فإن المراد أن الفهم لكتاب الله تعالى ليس محصورا على من سلف ، بل لكل أمة جاءت من بعدهم حظها الوافر من الفهم والتدبر والنظر ، نعم ، الثوابت العقدية ، والإخبارية لا تتغير بتغير الزمان والمكان ، وكذا الأحكام القاطعة ، ولكن الفهم المنبثق من علم جديد ، أو حقيقة لم تكن عند من سبق حري بالمسلم القارئ للكتاب أن يفقهها أكثر مما فقهها من سلف ، وسأبين ذلك بمثال واحد ، فلست أريد الإطالة في هذا .
في قوله تعالى في آخر سورة لقمان { إن الله عنده علم الساعة ، وينزل الغيث ، ويعلم ما في الأرحام ، وما تدري نفس ماذا تكسب غدا ، وما تدري نفس بأي أرض تموت ، إن الله عليم خبير } . وقد ثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : مفاتيح الغيب خمس ، لا يعلمها إلا الله . لا يعلم ما في غد إلا الله ، ولا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله ، ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله ، ولا تدري نفس بأي أرض تموت ، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله . رواه البخاري .
فإنا في تفسير هذه الآية والحديث الوارد فيها لا يمكننا أن نفهم قوله { ويعلم ما في الأرحام } بنفس فهم السلف ، بمعنى أن نقول إن علم ما في الأرحام يعني أذكر أم أنثى ، أأحمر أم أسود . فإن الواقع الطبي اليوم يعلم أكثر من ذلك ، بل تطور إلى معرفة إصابته المرضية ، وعلاجه وهو داخل رحم أمه ، ويصور تطور خلقته وانتقاله من نطفة إلى علقة إلى مضغة إلى أن يولد بتصوير دقيق ، ويمكن بدقة كبيرة معرفة وقت ولادته ، لا تخرصا بغير علم ، بل بحساب وضعه الخالق جل في علاه ، فليس معقولا أن يقول مفسر اليوم إن معنى { ما في الأرحام } هو الذكر أو الأنثى . فإن الطب وصل إلى مرحلة أبعد بكثير من ذلك حتى إنهم ليحددون الذكر أم الأنثى ، للراغبين .
فإذن لا بد من أن نفهم الآية الكريمة ، والحديث الذي يفسرها ، بأبعد من مجرد الذكر والأنثى والحمرة والسواد . وبهذا ننقض قولهم كله ، ونرده ، ونعتذر لهم وعنهم بأن هذا مبلغهم من العلم ، فلا لوم عليهم . والمقصود بيان أن مخالفة تفسيرهم بناقض واقعي أو بحقيقة جديدة هو منهج القرآن الذي قال { قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين } .
وإيماننا بأن القرآن صالح لكل زمان ومكان نترجمه بالنظر فيه بعين العصر العلمية والتقنية ، والتي تيسر فيها وبها ما لم يتيسر لمن قبلنا ، وليس معناه أن نقتحم اللجة دون ربان أو سفينة أو طوق نجاة ، بل نقتحمها بكل العدة والعتاد ، وبالقوة التي تمكننا من خوضها بكل يسر وأمان .
وقد حاول بعضهم أن يلج في هذا الخضم بما ظنه علما وليس بعلم ، بل هو إلى الجهل أقرب ، وبالتخرص ألصق .
وقد سمعت أحدهم ينفي أن كيد النساء عظيم ، وآخر ينفي أن الجمل هو البعير المعروف ، وآخر يفرق بين القرآن وبين الكتاب ، وجعل طاعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم غير واجبة ، وإنما يطاع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . وآخر بحجة الفهم العميق للقرآن ينسف السنة نسفا ، أو يأخذ منها ما شاء ويدع ما شاء ، ظنا منه أنه تعارض القرآن الكريم ن ولا تتسق مع مفهومه أو منطوقه . حتى زعم أن جنة النعيم هي أعلى درجات الجنات ، ولم يحرك بما ثبت عن الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم بأن أعلى الجنة الفردوس .
والممخضة من هذا أن التدبر للقرآن الكريم قد شرعت أبوابه بطريقة غير علمية ، ولا سليمة ، وقادت إلى التعدي على الأحكام ، ورفض السنة ، وأحيانا إلى إنكار بعض القراءات المتواترة التي تلقتها الأمة بالقبول . لأنها في تفكير المتدبر هذا لا توافق ما وصل إليه من استنتاج وتفسير !
والمؤمن الحق وقاف عند الحق ، وباحث عنه ، وليس معاندا للحق منكرا له ظلما وعلوا .
فليت المهتمين بهذا الشأن يلتفتون إلى المتدبرين – زعموا – ويلجمونهم بالجادة ، ويوقفونهم عند حدود الله ، لا يقربوها ، ولا يتعدوها ، وإن كنا نقول بأن فهم الكتاب ليس محصورا بمن سلف ، فإنا أيضا لا نجيز التخرص بغير علم ، وإن من الخطر بمكان بل هو قرين الشرك بالله : أن تقولوا على الله ما لا تعلمون .


والقمر إذا تلاها .
قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم .
قل سأتلو عليكم منه ذكرا .
وأن أتلو القرآن .
وما تتلو منه من قرآن .
للتلو عليهم الذي أوحينا إليك .
وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلو عليهم آياتنا .
وما كنت تتلو من قبله من كتاب .
وأنتم تتلون الكتاب .
نتلوا عليك من نبأ موسى .
ذلك نتلوه عليك من الآيات .
تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق . في البقرة وآل عمران والجاثية .
ربنا وابعث فيهم رسولا يتلو عليهم آياتك .
كما أرسلنا فيكم رسوا منكم يتلو عليكم آياتنا .
إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته .
وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا .
هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته .
رسولا يتلو عليكم آيات الله مبينات .
رسول من الله يتول صحفا مطهرة .
وهم يتلون الكتاب .
أمة قائمة يتلون آيات الله .
يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا .
إن الذين يتلون كتاب الله .
ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم .
الذين آتيناهم الكتاب يلتونه حق تلاوته .
ويتلوه شاهد منه .
واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك .
اتل ما أوحي إليك من الكتاب .
قل فأتوا بالتوراة فاتلوها .
وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا .
وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله .
وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا .
وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون .
إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا .
وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا …
وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر .
قد كانت آياتي تتلى عليكم .
ألم تكن آياتي تتلى عليكم .
وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا .
وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قالوا ما هذا إلا رجل .
يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا .
وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ما كان حجتهم .
ألم تكن آياتي تتلى عليكم فاستكبرتم .
وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للحق …
إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين . القلم والمطففين .
وما يتلى عليكم في الكتاب .
إلا ما يتلى عليكم .
إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان .
وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به .
ألوم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم .
واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة .


التدبر .
أفلا يتدبرون القرآن ، في النساء ومحمد .
أفلم يدبروا القول . المؤمنون .
كتاب أنزلناه إليك مبارك لدبروا آياته .

Recent Posts