توبة الفنانة

لم يكن من عرف عمر بن الخطاب في الجاهلية يساوره الشك في أن يسلم بله أن يكون الفاروق بعد إسلامه ، وأن يسبق كل من سبقه في المنزلة والمكانة والقوة عدا الصديق رضي الله عنهما .
وقد قال عنه عامر بن عبدالله وهو أحد السابقين والمهاجرين إلى الحبشة حين ذكرت له زوجه أن عمر قال لها حين رآها تجهّز أغراضها للهجرة صحبتكم السلامة . قال عامر : أو تطمعين في إسلام عمر ؟ لئن يسلم حمار ابن الخطاب أقرب إليّ من أن يسلم عمر !
لكنّ عمر أسلم ، بل وجاوز في منزلته المستبعِد لإسلامه ، وكان له في الإسلام شأن لا يجهله أكثر المسلمين ، في حين أن أكثرهم لا يعرفون عامرا !
ولا يحتاج الأمر إلى كثير عناء لنبصره ، فهو واضح وضوح الشمس وهي تتوسط كبد السماء ، فلم يكن الصحابة في غالبهم قبل البعثة إلا مشركين ، يعبدون الأحجار والأصنام والأوثان ، وفيهم من الصفات الذميمة ما لا يخفى من القطيعة والظلم والقتل وشرب الخمر الخ . ثم منّ الله عليهم فأصبحوا من جنده ومن المصطفين الأخيار ، ورضي الله عنهم ورضوا عنه .
أقول هذا الكلام لأن كثيرا من الإخوة الكرام اتخذوا إحدى ( الفنانات ) سخرية واستهزاء لأنها قالت في مقابلة لها إنها تتوقع أن تكون يوما ما داعية إسلامية !
وما وقع فيه الإخوة أشد مما هي فيه كما يرونه هم ، لأن المرء الذي لا يخشى على نفسه الفتنة ، ولا يسأل الله الثبات ، فإن هذا يعني أنه أعجب بعمله ، غرته طاعته ، ومن هنا قد يقع في الهلكة من باب الطاعة والعبادة ، وقد ذكروا في قصة إبليس شيئا من هذا ، فاغتراره بطاعته قبل أمره بالسجود لآدم بلّغه اللعنة والكفر بالله .
وإيماننا بخطأ ما تقوم به الفنانة من مخالفة للشريعة ، لا يعني اليأس من هدايتها ، ولا يقتضي أن لا تصبح يوما ما أفضل منا وأتقى ، ويصبح ماضيها وحاضرها اليوم من سيئاتها التي يبدلها الله حسنات ، ويصبح عملنا الذي نفاخر به اليوم من أعظم مصائبنا وأسباب ندامتنا ، فإن ممن تسعر بهم النار يوم القيامة : العالم والقارئ والمجاهد والمنفق في سبيل الله ، وكل ذلك من الأعمال الحسنة المباركة ، لكن الذي أفسدها وجعل عاقبة أمرها خسرا هو سوء النية ، وقد يصلح الذنب وقوع الخوف من الله معه ، كما في حديث الرجل الذي أمر أبناءه بحرق جثته إذا هو مات ونثر رمادها في الريح لتذروها ، وقد علل طلبه بقوله إن يقدر الله عليه يعذبه عذابا شديدا ، لأنه يعلم سوء أعماله ، ففعل أبناؤه ما وصاهم به ، فجمعه الله ، وهو القدير ، وسأله ، وهو العليم ، عن سبب فعلته تلك ، فقال : خشيتك! فغفر له ورحمه ، مما يدل على إمكانية وجود الخشية من الله في قلب من يعصيه ، وربما فاقت تلك التي في قلوب من يطيعه ، وقد ذكر بعض أهل العلم أن العبد قد تدخله سيئته الجنة ، كما قد تدخله حسنته النار ، وذلك لما قد يصاحب السيئة من انكسار وذلة وخوف وتضرع ، ربما غابت كلها عن قلب صاحب الحسنة ، واغتر بحسنته أو اختلطت بنية فاسدة من رياء وسمعة كما في حديث من تسعر بهم النار ، وقد يصاحب الحسنات سيئات يغفل عنها الصالحون من شتم هذا وضرب هذا كما في حديث المفلس ، فيغدون من المفلسين يوم القيامة !
وكم من مذنب ندم وتاب ، وكم من مطيع انتكس ، وهذا واقع مشاهد ومحسوس . وقد عد أهل العلم بضعا وسبعين صحابيا كانوا يخشون على أنفسهم النفاق ، وذكر سبحانه من وصف عباده المؤمنين فقال { والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون } وحين سألت الصديقة رضي الله عنها نبي الله ﷺ : أَهُمُ الَّذينَ يشربونَ الخمرَ ويسرِقونَ ؟ قالَ : لا يا بنتَ الصِّدِّيقِ ، ولَكِنَّهمُ الَّذينَ يصومونَ ويصلُّونَ ويتصدَّقونَ ، وَهُم يخافونَ أن لا تُقبَلَ منهُم أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ .
فوا عجبا لمن ضمن القبول وبضاعته في الصدق والإخلاص بل وحتى العمل مزجاة ، ثم يضيف إليها سوء الظن بالله أن لا يهدي من ضلّ ، ويمنن عليه بتوبة نصوح تمحو ذنوبه وترفع درجته ، والله قد أخبر في كتابه أنه يحب التوابين . ولم يغلق باب التوبة دون أحد مهما بلغ ظلمه لنفسه أو لغيره ، بل حتى للمشركين والكافرين ، والذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة ، حتى قال لهم : افلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه .ففتح باب التوبة على مصراعيه لكل من أراد قبل أن تبلغ روحه الحلقوم ، وهو الذي يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل ، وفي الحديث القدسي عن أبي ذر في صحيح مسلم قال الله : يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم .
فمن ذا الذي يزعم أنه بلا خطيئة ، وأنه ضمن حسن الخاتمة ، وأن كافرا أو فاجرا أو فاسقا أو عاصيا ما قد ختم على قلبه ولن يمنن عليه مولاه بفضل منه ورحمه .
والعجيب أن في قصص التابعين بل بعضهم ممن أصبح قدوة وإسوة من كان من قطاع الطريق وسفلة الخليقة ثم صاروا خيرا من كثير ممن كان لا يفارق المسجد كمالك بن دينار رحمه الله الذي قال عنه الذهبي : علم العلماء الأبرار، معدود في ثقات التابعين ، ومن أعيان كتبة المصاحف ، كان من ذلك بُلغتُه.
ففي حين يفاخرون بقصة توبته – وهي قصة منكرة لا تثبت – نراهم يستكثرون على غيره أن يكون مثله ، أو أفضل منه ، مع أنه لم يكن أسوأ ماضيا ولا أشد فسقا !
ولسنا بحاجة الاتكاء على ماض بعيد ، فدوننا الحاضر الذي يزخر بدعاة معلوم ماضيهم ، وفيه من البلاء ما يشيب له الوليد ، ولم يكن يشك أحد ممن عرفه قبل هدايته في هلاكه وضياعه ، ثم تغيرت حاله وتاب الله عليه .
فهذه الفنانة وغيرها ممن قد نظن بهم السوء لما نراه من حالهم الحاضرة فإن توبتها ليست مستحيلة ، وأن تكون يوما ما كما تحدث نفسها به داعية تهدي إلى صراط مستقيم ليس ممتنعا ، ولا يقل ذلك عن أن تزل قدم بعد ثبوتها ، وتضل نفس بعد هدايتها ، وما أكثر أمثلة ذلك في الماضي والحاضر ، وقد قاتل بعضهم بين يدي رسول الله ﷺ وهو في النار ، وبلغ أناس من الهدى والتقى مبلغا عظيما وهم لم يروا نبي الله ﷺ .
فبقدر خوف المؤمن من مكر الله ، وأن يزيغ قلبه بعد إذ هداه ، بقدر علمه أن الله قد يهدي من ضل ، ويسلك به طريق النجاة ، ويبقى الجميع ، معشر الطائعين ، ومعشر العاصين تحت رحمته التي وسعت كل شيء ، وهو أرحم الراحمين ، بأن يثبت هؤلاء ويهدى هؤلاء ويجمع الفريقين في جنات ونعيم ، يقبل بعضهم على بعض فيها يتساءلون : إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين ، فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم ، إنا كنا من قبل ندعوه ، إنه هو البر الرحيم .
فكان الأولى بالأحبة الغيورين الناصحين أن يشجعوا أختهم ويأخذوا بيدها ويشجعوها على اتخاذ القرار وينصروها بدعوة صادقة لها بالهداية وحسن الختام ، وتفرح قلوبهم بظنها ، ويرجون أن ستتحقق يوما ما ، وما ذلك على الله بعزيز .
وكان المفترض منهم أن لا يكسروا مجاديفها ، ويئيسوها من رحمة الله ، أو يقنطوها منها ، فإن الله تعالى قال : يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ، إن الله يعفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم . وكان ينبغي لكثير منهم أن يتذكر قوله ﷻ { كذلك كنتم من قبل فمنّ الله عليكم } ولا يحسبون أن ما هم فيه من خير وصلاح وهداية قد أوتوه على علم منهم ، بل الله يمن عليهم إن هداهم للإيمان إن كانوا صادقين !
‏‫